أحمد بن محمود السيواسي
101
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة طه ( 20 ) : آية 119 ] وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) ( وَأَنَّكَ ) بكسر « إن » على الابتداء وبفتحها « 1 » على العطف على « أن لا تجوع » ، وجاز للفصل وهو لك ، إذ لا تدخل « أن » على « أن » والواو نائبة عن أن لك أنك ( لا تَظْمَؤُا ) أي لا تعطش ( فِيها وَلا تَضْحى ) [ 119 ] أي لا يصيبك حر الشمس في الجنة إذ لا شمس فيها وأهلها في ظل ممدود ، والمراد ذكر الأقطاب من الأفعال التي يدور عليها كفاف الإنسان وعيشه من غير احتياج إلى الكسب مستجمعة في الجنة لآدم كي لا يتعدى عنها إلى غير ما أمر به ، وإنما ذكرها « 2 » بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والظمأ والعرى والضحو لتعليم سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتجنب « 3 » الموقع فيها كراهة لها . [ سورة طه ( 20 ) : آية 120 ] فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ( 120 ) ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ) أي أنهى إليه الوسوسة ، وإذا قيل وسوس له فمعناه لأجله ، قوله ( قالَ ) بيان ل « وسوس » ، أي قال « 4 » الشيطان ( يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) أي الخلود ، لأن من أكل منها خلد بزعمه « 5 » ( وَ ) على ( مُلْكٍ لا يَبْلى ) [ 120 ] أي لا يفني وهو أكل الشجرة . [ سورة طه ( 20 ) : آية 121 ] فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) ( فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما ) أي ظهرت ( سَوْآتُهُما ) أي عوراتهما ( وَطَفِقا ) أي عمدا ( يَخْصِفانِ ) أي يلزقان ( عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) أي على سوآتهما بورق التين للستر ( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ ) بمخالفة أمره « 6 » بأكله من الشجرة ( فَغَوى ) [ 121 ] أي فخرج بالعصيان من أن يكون راشدا في فعله ، لأن الغي خلاف الرشد ، قيل : « لا يجوز أن يقال آدم عاص بل عصى آدم ، إذ المعصية لم يكن عادة له » « 7 » ، والمعنى : أنه جهل لطلبه الخلد بأكل المنهي عنه ، لأنه خلاف طريق العقل . [ سورة طه ( 20 ) : آية 122 ] ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) ( ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ) أي اصطفاه النبوة بعد التوبة « 8 » ( فَتابَ عَلَيْهِ ) أي قبل توبته وقربه إليه بقوله « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا » « 9 » ( وَهَدى ) [ 122 ] أي وفقه لحفظ التورية وعمل التقوى . [ سورة طه ( 20 ) : آية 123 ] قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 ) ( قالَ ) اللّه لآدم وحواء ( اهْبِطا ) أي أنزلا ( مِنْها ) أي من الجنة ( جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) وجمعا هنا نظرا إليهما وإلى ذريتهما ، والمراد بالعداوة هي التي بين بني آدم من ظلم بعضهم بعضا وتضليل بعض بعضا أو عداوة ذرية آدم وإبليس ، وكذا جمعا في قوله ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ) على لفظ الجماعة لكونهما أصلي البشر وسببي نشأتهم فكأنهما البشر فخوطبا مخاطبتهم وقال « فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ » يا بشر أو ذرية آدم وحواء إن يأتكم ( مِنِّي هُدىً ) أي كتاب ورسول شريعة ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ) أي كتابي ورسولي ( فَلا يَضِلُّ ) باتباعه إياهما في الدنيا ( وَلا يَشْقى ) [ 123 ] في الآخرة ، قيل : « أجار اللّه تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة » « 10 » .
--> ( 1 ) « وأنك » : قرأ نافع وشعبة بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 208 . ( 2 ) ذكرها ، ح و : ذكر ، ي . ( 3 ) يتجنب ، ح ي : تجنب ، و . ( 4 ) قال ، ح و : - ي . ( 5 ) بزعمه ، ح و : لزعمه ، ي . ( 6 ) أمره ، ح و : أمر ربه ، ي . ( 7 ) ذكر ابن قتيبة نحوه ، انظر البغوي ، 4 / 35 . ( 8 ) التوبة ، ح ي : توبته ، و . ( 9 ) الأعراف ( 7 ) ، 23 . ( 10 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 4 / 36 .